الشوكاني

408

فتح القدير

والظلام ، ولا وجه لهذا ، على أنه قد روى عن عكرمة أنه قال : الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء ، وروى عن أسد بن عمر الرجوع ( والليل وما وسق ) الوسق عند أهل اللغة : ضم الشئ بعضه إلى بعض ، يقال استوسقت الإبل : إذا اجتمعت وانضمت ، والراعي يسقها : أي يجمعها . قال الواحدي : المفسرون يقولون : وما جمع وضم وحوى ولف ، والمعنى : أنه جمع وضم ما كان منشرا بالنهار في تصرفه ، وذلك أن الليل إذا أقبل آوى كل شئ إلى مأواه ، ومنه قول ضابئ بن الحرث البرجمي : فإني وإياكم وسوقا إليكم * كقابض شيئا لم تنله أنامله وقال عكرمة ( وما وسق ) أي وما ساق من شئ إلى حيث يأوي ، فجعله من السوق لا من الجمع ، وقيل ( وما وسق ) أي وما جن وستر ، وقيل " وما وسق " أي وما حمل ، وكل شئ حملته فقد وسقته ، والعرب تقول : لا أحمله ما وسقت عيني الماء : أي حملته ، ووسقت الناقة تسق وسقا : أي حملت . قال قتادة والضحاك ومقاتل بن سليمان : وما وسق وما حمل من الظلمة ، أو حمل من الكواكب . قال القشيري : ومعنى حمل ضم وجمع ، والليل يحمل بظلمته كل شئ . وقال سعيد بن جبير : وما وسق : أي وما عمل فيه من التهجد والاستغفار بالأسحار ، والأول أولى ( والقمر إذا اتسق ) أي اجتمع وتكامل . قال الفراء : اتساقه امتلاؤه واجتماعه واستواؤه ليلة ثالث عشر ورابع عشر إلى ست عشرة ، وقد افتعل من الوسق الذي هو الجمع . قال الحسن : اتسق امتلأ واجتمع . وقال قتادة : استدار ، يقال وسقته فاتسق ، كما يقال وصلته فاتصل ، ويقال أمر فلان متسق : أي مجتمع منتظم ، ويقال اتسق الشئ : إذا تتابع ( لتركبن طبقا عن طبق ) هذا جواب القسم . قرأ حمزة والكسائي وابن كثير وأبو عمرو لتركبن بفتح الموحدة على أنه خطاب للواحد ، وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لكل من يصلح له ، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي العالية ومسروق وأبي وائل ومجاهد والنخعي والشعبي وسعيد بن جبير وقرأ الباقون بضم الواحدة خطابا للجمع وهم الناس . قال الشعبي ومجاهد : لتركبن يا محمد سماء بعد سماء قال الكلبي : يعني تصعد فيها ، وهذا على القراءة الأولى ، وقيل درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله ورفعة المنزلة ، وقيل المعنى : لتركبن حالا بعد حال كل حالة منها مطابقة لأختها في الشدة ، وقيل المعنى : لتركبن أيها الإنسان حالا بعد حال من كونك نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم حيا وميتا وغنيا وفقيرا ، فالخطاب للإنسان المذكور في قوله - يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا - واختار أبو عبيد وأبو حاتم القراءة الثانية قالا : لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقرأ عمر " ليركبن " بالتحتية وضم الموحدة على الإخبار ، وروى عنه وعن ابن عباس أنهما قرأ بالغيبة وفتح الموحدة : أي ليركبن الإنسان ، وروى عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرآ بكسر حرف المضارعة وهي لغة ، وقرئ بفتح حرف المضارعة وكسر الموحدة على أنه خطاب للنفس . وقيل إن معنى الآية : ليركبن القمر أحوالا من سرار واستهلال ، وهو بعيد . قال مقاتل ( طبقا عن طبق ) يعني الموت والحياة . وقال عكرمة : رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ . ومحل عن طبق النصب على أنه صفة لطبقا أي طبقا مجاوزا لطبق ، أو على الحال من ضمير لتركبن : أي مجاوزين ، أو مجاوزا ( فما لهم لا يؤمنون ) الاستفهام للإنكار ، والفاء لترتيب ما بعدها من الإنكار والتعجيب على ما قبلها من أحوال يوم القيامة أو من غيرها على الاختلاف السابق ، والمعنى : أي شئ للكفار لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبما جاء به من القرآن مع وجود موجبات الإيمان بذلك ( وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ) هذه الجملة الشرطية وجوابها في محل نصب على الحال : أي أي مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم عند قراءة القرآن . قال الحسن وعطاء والكلبي ومقاتل : ما لهم لا يصلون . وقال أبو مسلم : المراد الخضوع والاستكانة . وقيل المراد نفس السجود